الشنقيطي
256
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا ، وكنّ عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد ، فإنهن لم يكرهن على الإسلام ، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا ، فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن ، وهذا مذهب طاوس وغيره ، وقواه صاحب المغني فيه ورجح أدلته ، وباللّه التوفيق . ا ه . كلام ابن القيم - رحمه اللّه - بلفظه وهو واضح جدا . قوله تعالى : فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ 25 ] . لم يبين هنا هذا العذاب الذي على المحصنات - وهن الحرائر - الذي نصفه على الإماء ، ولكنه بين في موضع آخر أنه جلد مائة بقوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة ويلحق بها العبد الزاني فيجلد خمسين ، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ النساء : 25 ] وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص ؛ لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة إلا الرق ، فعلم أنه سبب تشطير الجلد فأجرى في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد ، وهذه الآية عند الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص بالقياس ، بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى قياسا ، والخلاف في كونه قياسا معروف في الأصول . أما الرجم فمعلوم أنه لا يتشطر ، فلم يدخل في المراد بالآية . تنبيه : قد علمت مما تقدم أن التحقيق في معنى أحصن أن المراد به تزوجن ، وذلك هو معناه على كلتا القراءتين قراءته بالبناء للفاعل والمفعول ، خلافا لما اختاره ابن جرير من أن معنى قراءة أُحْصِنَّ بفتح الهمزة والصاد مبنيا للفاعل أسلمن ، وأن معنى بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للمفعول زوجن ، وعليه فيفهم من مفهوم الشرط في قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ الآية . أن الأمة التي لم تتزوج لا حدّ عليها إذا زنت ؛ لأنه تعالى علق حدها في الآية بالإحصان ، وتمسك بمفهوم هذه الآية ابن عباس « 1 » ، وطاوس ، وعطاء ، وابن جريج ، وسعيد بن جبير ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي في رواية فقالوا : لا حد على مملوكة حتى تتزوج ، والجواب عن هذا واللّه أعلم أن مفهوم هذه الآية فيه إجمال وقد بينته السنة الصحيحة ، وإيضاحه أن تعليق جلد الخمسين المذكور في الآية على إحصان
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : عبد الرزاق في المصنف ، كتاب الصلاة حديث 13619 ، والبيهقي في الحدود 8 / 243 .